‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيناء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيناء. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 يونيو 2013

تساؤلات عن مقتل 21 مجنداً في سيناء

تساؤلات عن مقتل 21 مجنداً في سيناء

لقي 21 مجنداً مصرياً حتفهم، وأُصيب 27 آخرون في انقلاب حافلتهم في سيناء، فيما لم يحل تأكيد السلطات عدم وجود شبهة جنائية دون بروز شائعات رجّحت أن يكون الحادث مدبراً

عبد الرحمن يوسف -الأخبار اللبنانية - 9 / 10 / 2013
http://www.al-akhbar.com/node/169035

بعد ما يقرب من شهر ونصف شهر على حادث إطلاق مسلحين النار في رفح على جنود وضباط في القوات المسلحة، ما أدى إلى مقتل 16 منهم، لقي أمس 21 مجنداً من جنود الأمن المركزي مصرعهم، وأصيب ما لا يقل عن 27 آخرين، بعد انقلاب حافلة نقل الجنود التي تقلهم في محافظة شمال سيناء بمنطقة الكنتلا عند العلامة (51) شرق سيناء بالمنطقة (ج) على الحدود مع إسرائيل جنوب معبر العوجة.
وكانت الأسباب التي أعلنتها الجهات الرسمية فور وقوع الحادث، اختلال عجلة القيادة من سائق حافلة نقل الجنود، نظراً إلى الطبيعة الصخرية للأرض التي كانت تسير عليها الحافلة، ما أدى إلى انقلابها.
إلا أن تحول سيناء إلى ساحة معركة بين قوات الأمن والجيش من جهة، والجماعات الجهادية من جهةٍ ثانية، وقدرة الأخيرة على تنفيذ عمليات نوعية على الحدود مثل مقتل الجندي الإسرائيلي الشهر الماضي، دفع بعض الوسائل الإعلامية في إسرائيل ومصر لتوقع وجود شبهة جنائية. وعزز هذه الشكوك العدد الكبير في الوفيات والإصابات. إلا أن المصادر الرسمية، بادرت مبكراً إلى نفي أي استهداف للحافلة، سواء بإطلاق الرصاص أو أي وسيلة أخرى، دون شرح كافٍ للطريقة التي أدت إلى هذا الحادث.
مصطفى سنجر، الصحافي المتخصص في الشأن السيناوي، أوضح لـ«الأخبار»، أن اختلال عجلة القيادة جاء لاحتكاك الحافلة بسيارة نقل خاوية تعود إلى عمال لشركات الإسمنت في منطقة وسط سيناء، ما أدى إلى سقوط الحافلة على منحدر صخري، متوازياً ذلك مع وجود ما يقرب من 50 مجنداً داخل الحافلة.
وشرح سنجر أسباب تضارب الأسباب حول انقلاب الحافلة وانتشار أقاويل بشأن تعرضها لهجوم، قائلاً إنّ «وقوع الحادث تزامن مع واقعة إطلاق نار في العريش على دورية شرطة كانت مكلفة حماية سيارة نقل أموال للبريد بالعريش، ما أدى إلى مقتل أمين شرطة وإصابة مجند، ومقتل أحد منفذي الهجوم وإصابة آخر، نُقلوا إلى مستشفى العريش في نفس توقيت نقل جثث وجرحى حادث الحافلة، وهو ما أدى إلى وجود هذا التضارب».
وأشار سنجر إلى أن المنطقة التي وقع فيها الحادث هي آخر المراكز الإدارية لمحافظة شمال سيناء والتي تقع على الحدود مع جنوب سيناء. وأوضح أنها غير مأهولة بالسكان إذ إنه «بعد الخروج من رفح والعريش والاتجاه جنوباً تقل الكثافة السكانية جداً». وأشار إلى أن هذا الأمر ليس شرطاً لانتشار الجهاديين، الذين قال عنهم إنهم عادة ما يكونون في المناطق السكنية بشكل أكبر.
أما الخبير الأمني، العقيد محمد محفوظ، فأرجع وجود تكهن بأن الجهاديين هم من دبّروا الحادث إلى كثرة العمليات ضد قوات الأمن هناك، إذ تسعى الحركات الجهادية إلى خلخلة سيناء أمنياً وتحويلها إلى إمارة إسلامية.
وأوضح أن الاستهداف المتكرر للجنود والضباط، أمر له استراتيجية بعيدة المدى، تتمثل في دفع المجندين إلى العزوف عن الخدمة هناك أو كراهية هذا الأمر، إلى جانب إرهاق قوات الأمن، بما يسهل للمتشددين التحرك في هذا الفضاء الشاسع، ولا سيما في المنطقة «ج» التي تلاصق الحدود الإسرائيلية والتي يقوم في الخدمة بها جنود الأمن المركزي.
ودفعت فداحة الحادث العديد من النشطاء والباحثين إلى انتقاد المسؤولين الذين رأوا أنه ما دام الحادث عادياً، فإن كل شيء على ما يرام. ورأى الناشطون أن حشر 100 مجند في حافلة واحدة، من حافلات الأمن المركزي الضعيفة التهوية، التي يتشكل هيكلها الخارجي من الصفيح فقط، هو إهانة وجريمة حقيقية تحتاج إلى تحقيق لا يقل عن التحقيق الذي سيُفتَح إذا كان الحادث جنائياً.

ملف عن سيناء - الحلقة الثالثة: سيناء «جنّة آمنة» للمتطرّفين والمهرّبين

( 3- 3)
سيناء «جنّة آمنة» للمتطرّفين والمهرّبين ( 3- 3)
http://www.al-akhbar.com/node/150867
تحوّلت سيناء منذ سنوات إلى ضحية لغياب الدولة عن المنطقة، فتنافست عليها مجموعات مختلفة الأهداف. جماعات إسلامية متشددة وجدت في الجبال الوعرة للمنطقة مأوى لها، وسط حديث البعض عن كونها صنيعة استخبارية. مهربون لا يتورعون عن التجارة بالبشر. وتجار أسلحة حوّلوا المنطقة إلى مخزن للسلاح، مستغلين الموقع الاستراتيجي لسيناء
عبد الرحمن يوسف, محمد العربي - الاخبار اللبنانية - 23 / 8 / 2012
يبدو انتشار التطرف في سيناء نتيجة منطقية، وربما حتمية لعدة عوامل، لعل على رأسها غياب الدولة بكافة مظاهرها، وهو ما جعل هذه المساحة من مصر خصبة لأي جماعات تنافس الدولة في سيادتها. فسيناء عادت إلى السيادة المصرية في الوقت الذي تصاعدت فيه المواجهة بين الدولة والجماعات الإسلامية المسلحة. وقد سيطر على سكان سيناء منذ عقود، قبل الاحتلال والعودة إلى مصر، مزاج صوفي تقليدي، غير أن السلفية بدأت تتسرب إليها من جهات عدة. في البداية، كان العنف موجهاً من أتباع الطرق الصوفية إلى أصحاب الأفكار الوهابية المستحدثة، وهو عنف يندرج تحت العنف التقليدي السائد في مثل هذه الأجواء.
ويوضح سعيد أعتيق، عضو ائتلاف شباب الثورة في سيناء، أنه بعد اندلاع ثورة يناير، خلت سيناء من وجود الأجهزة الأمنية بعد انهيار وزارة الداخلية وانسحابها، فبرزت القوات المسلحة للقيام بدورها، واستعانت بمجموعات متطرفة لبسط الأمن في المدن السيناوية، من بينها الشيخ زويد، وعقدت اتفاقات معها لتأمين المنشآت، وهو ما جعلها رقماً جديداً في المعادلة. ثم برزت أهمية هذه الجماعات بعد جمعة «29 يوليو» التي تظاهر فيها الإسلاميون بمفردهم في ميدان التحرير، وزاد من نفوذها استقواء التيار الإسلامي، وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين، وهيمنته السياسية.
ويؤكد أعتيق أن جماعة «الإخوان»، مع وصولها إلى السلطة، عمدت إلى جعل سيناء ساحة للتنافس والشد والجذب بينها وبين المجلس العسكري، وذلك لترسل رسالة للعالم بأنها القادرة على فرض الأمن وتحقيق الاستقرار لسيناء، ومن ثم لإسرائيل. ومن بين الأسباب الإضافية لزيادة قوة الجماعات المتطرفة السلفية، طرد حركة «حماس» أفراداً هذه الجماعات خارج غزة بعد تطهير القطاع منها، ومن بين هذه الجماعات جماعة الجلجلة وبقايا التكفير والهجرة. ويؤكد أعتيق أن هذه الجماعات هي المسؤولة عن جميع عمليات الاعتداء على الكمائن العسكرية والأمنية ومقتل الجنود المصريين. ويحذر أعتيق من سياسة التعامل مع سيناء على أنها مصدر الخطر وفزاعة أمنية للكيان الصهيوني، وهي السياسة التي اتفقت على انتهاجها أطراف محلية ودولية.
أما إسماعيل الإسكندراني، الباحث في علم الاجتماع السياسي، فيرى من خلال دراسته الميدانية لسيناء، أن المجموعات الجهادية والتكفيرية صنيعة أمنية، خرجت عن سيطرة الاستخبارات. ووصف استهداف وحدة عسكرية كاملة بأنه لا يحدث إلا في الحروب، ما يعني عدم قدرة هذه المجموعة المنفذة على القيام بهذا الأمر إلا من خلال تعاون، مع أجهزة استخبارية أكبر، سواء داخلية أو خارجية.
ويؤكد الإسكندراني أنه توقع حدوث هذا الأمر قبل وقوعه من خلال شواهد عديدة. وذكر منها تعمد سحب القوات الأمنية من المنطقة الحدودية، وعدم عودة قوات الشرطة إلى المنطقة الحدودية بالنحو المعهود، رغم وجود اتفاق بين السلطات المصرية ومشايخ القبائل بعودة الشرطة. ويرى أن ما حدث هو جزء من خطة استراتيجية أميركية، تهدف إلى تحويل جيوش المنطقة من جيوش نظامية إلى جيوش تحارب الإرهاب، وتنكفئ على ذاتها داخلياً، ومن ثم تسكن الكثير من هواجس إسرائيل وتطمئنها.
ويؤكد عدد من المراقبين أن سيناء ليس فيها أي تنظيمات تابعة لتنظيم القاعدة، لكن يوجد بعض من يحاول أن يتشبه بها أو بتقاليدها، ذلك أن التربة الفكرية هناك، ولا سيما في مناطق الشمال الحدودية مع إسرائيل وغزة، مهيّأة لنمو مثل هذه الأفكار وانتشارها.
ويُعَدّ «تنظيم الرايات السوداء» من أشهر التنظيمات الموجودة في سيناء وعلى تخومها في غزة على الحدود المصرية. هذا التنظيم جاء من الشيخ زويد، وينسب إليه استهداف تمثال أنور السادات في العريش، واستهداف «قسم ثان العريش» وقتل عدد من ضباط الجيش والشرطة أواخر تموز 2011. وينسب أيضاً إلى أعضاء التنظيم تفجير ضريح الشيخ زويد 3 مرات. كذلك تبرز جماعات «السلفية الجهادية»، «التكفير والهجرة»، «أنصار الجهاد»، «تنظيم التوحيد والجهاد»،«بيت المقدس» و«مجلس شورى المجاهدين». والجماعتان الأخيرتان تحسبان على قطاع غزة. وسبق أن أعلنتا تنفيذ عملية استهداف حافلة إسرائيلية قبل شهرين، وعمليات تفجير خط الغاز.
ويرى الأديب والناشط السيناوي، مسعد أبو الفجر، أن من بين أسباب وجود السلاح في سيناء، هو خلق الجريمة المنظمة التي كانت سياسة معتمدة لدى بعض الأجهزة الأمنية. ووفقاً لتقارير متواترة، كان السلاح يأتي عبر طرق برية من السودان ويدفن في الصحراء إلى أن يوجد له مشترٍ، سواء من القبائل التي تحتاجه بشكل رئيسي بحكم الطبيعية الجغرافية والسكانية للمكان، أو من قطاع غزة الذي تسيطر عليه «حماس» منذ عام 2007، فضلاً عن عصابات التهريب. وكان تهريب السلاح من الكثافة بحيث جعل إسرائيل تضرب قافلة متجهة من السودان إلى مصر، قيل في حينها إنها كانت موجهة إلى حركة «حماس» من إيران. وتعد قبائل الرشايدة والسواركة من أكثر القبائل هيمنة على سوق السلاح في سيناء وخاصة شمالها.
وكان مصدر السلاح الأساسي شرق السودان ومناطق النزاع فيه، حيث كانت تستغرق رحلة نقل الأسلحة 15 يوماً وتقطع مسافة 700 كيلومتر، حتى شمال سيناء ووسطها، وهي المناطق الأكثر استخداماً للسلاح. لكن بعد سقوط نظام معمر القذافي، باتت ليبيا مصدراً إضافياً للسلاح. وفي سيناء أنواع كثيرة من الأسلحة، بدءاً من الكلاشنيكوف، وحتى مضادات الطائرات والآر بي جي.
ويقسم الباحث إسماعيل الإسكندراني أنواع السلاح الموجودة في سيناء إلى عدة أقسام: الأول هو السلاح النظامي الموجود مع القوات المصرية ويختلف من كل منطقة في الثلاث مناطق «أ»، «ب» و«ج». ويضعف في «ج» ويقوى في «أ». والنوع الثاني هو تسليح خفيف ــ شخصي، مصاحب لقوات حفظ السلام المتعددة الجنسيات المنتشرة في المنطقة «ج» وعلى حدود المنطقة «ب». والثالث هو العرفي التابع للقبائل والعائلات، ولا يخضع لأي اتفاقيات. وهو خفيف ومتوسط ويشبه السلاح الموجود لدى العائلات في الصعيد، وتستدعيه طبيعة المنطقة. أما الرابع، فهو السلاح الشخصي الموجود في كل المنازل، ومنه سلاح أبيض أو قطع خفيفة للحماية. والخامس هو التجاري الذي يكون خاضعاً للعرض والطلب، سواء للقبائل أو المهربين أو غيرهم. أما السادس، فهو سلاح المقاومة الذي يتقاطع مع التجاري، لكنه يختلف في الدوافع والأهداف ولا يتعلق بالمقاومة الإسلامية، بل بكل أنواع المقاومة الحدودية أو ضد إسرائيل وحتى ضد المهربين والمجموعات العنيفة والتكفيرية. وتحدث الإسكندراني عن السلاح الأيديولوجي المتشدد والسلاح الإجرامي (غير الأيديولوجي)، وهو الموجود مع الجماعات التكفيرية وعصابات الجريمة المنظمة. ولا يمر عبر القبائل ذات النقاء الوطني على الشريط الحدودي، التي ترفض أي تسليح داخلي لغير القبائل الحدودية في هذه المنطقة. أما السلاح الإجرامي، فيشابه السلاح التقليدي مع وجود حرفية في استخدامه الهجومي وليس الدفاعي الذي يحفظ توازن القوى مثل القبائل. من جهةٍ ثانية، تحدث الإسكندراني عن محاولات اختراق المنظومة الثقافية والقيمية لقبائل سيناء عبر استقدام السلطات لمشايخ الطرق الصوفية من خان يونس في فلسطين، ونشر الطريقة الصوفية تحت قيادة شيخ يدعى أبو أحمد. وقد اجتذبت هذه الطريقة العديد من السكان، ولا سيما في منطقة القبائل الشرقية، وازدهرت زواياها لمدة عشر سنوات قبل هزيمة 1967. ويرى أبو فجر أنها السياسة نفسها التي انتهجها نظام حسني مبارك بإشاعة الأفكار الجهادية والسلفية بين أبناء سيناء بهدف تحطيم القيمة التقليدية لشبه الجزيرة وتبديلها تحت رعاية الأجهزة الأمنية.
وإذا أردنا أن نتطرق إلى أهم بؤرة مكانية في مسرح الأحداث بسيناء، فعلينا أن نتجه صوب جبل الحلال، الذي يعد مركز العمليات الأخيرة التي تقوم بها القوات المسلحة بعد أحداث معبر كرم أبو سالم. وقد كان جبل الحلال مركزاً لهجمات قوات الأمن وعملياتها في الفترة السابقة. تعيد قصة هذا الجبل الذي يقع وسط سيناء، على بعد 60 كيلومتراً من جنوب مدينة العريش إلى الأذهان، جبال المطاريد في صعيد مصر. وهي الجبال الوعرة البعيدة عن الوادي، التي كانت دائماً ملاذاً للجماعات المتطرفة والخارجين عن القانون أو ما يعرف بـ«المطاريد». ولم تستطع قوات الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على جبل الحلال طوال وجودها في سيناء. ومن الجبل تحديداً، انطلقت عدة عمليات لرجال الصاعقة المصرية، والفدائيين من أبناء البدو. يتصف هذا الجبل بالوعورة الشديدة وتعقد المداخل والمخارج، الأمر الذي يجعله نقطة هروب وتجمع وانطلاق للجماعات المسلحة والخارجين عن القانون. وتسكن هذا الجبل، الذي يمتد عرضه إلى 40 كيلومتراً وطوله 60 كليومتراً من التلال الصخرية التي يصل ارتفاعها إلى كيلومترين، جماعات من قبائل السواركة المنتشرة شمالاً والترابين والتياها المنتشرة في الوسط. ورغم صخريته، فإنه غني بالكلأ والعشب. وتعرف الماشية في هذه المنطقة باسم «الحلال» ومن هنا جاءت تسميته، ويعمل سكانه رعاة لها.
عقب تفجيرات طابا عام 2004، قامت حملة أمنية من الشرطة بمحاولة يائسة لحصار الجبال لتعقب الجماعات المسلحة التي اتهمتها بالتورط في الأحداث. استمر الحصار لشهور ولم يفضِ إلا إلى مقتل قيادي تنظيم التوحيد والجهاد سالم الشنوب، واعتقال المئات من أبناء القبائل السيناوية المشتبه فيهم. وهو السيناريو نفسه الذي تكرر عقب تفجيرات شرم الشيخ في تموز 2005. وعقب الفراغ الأمني، الذي عانت منه سيناء بعد ثورة يناير، انطلقت من الجبل مجموعة من الجماعات المسلحة والمتطرفة، ليصبح مركز عملياتها وانتشارها في وسط سيناء وفي الشريط الحدودي الملاصق للأراضي المحتلة وإسرائيل. واتهم الأمن المصري هذه الجماعات بتنفيذ الهجوم الدموي على قسم «ثان العريش» في 29 تموز 2011، وهو الهجوم الذي أفضى إلى مقتل 5 أشخاص.
وعاد الجبل إلى الواجهة ليصبح هدف القوات المسلحة، التي قامت بقصفه عدة مرات وتمشيطه ضمن عملية «نسر 2» التي ينفذها الجيش عقب أحداث رفح وكرم أبو سالم، مستهدفاً الجماعات الإرهابية المشتبه في تورطها في مقتل جنود حرس الحدود، الأمر الذي يجعل من الجبل تورا بورا سيناوية. ويرى نشطاء أن مصير هذه الحملة لن يكون مجدياً كما كانت الحملات الأمنية السابقة حتى لو استخدم فيها الطيران، الذي لن يفرق بدقة بين أهداف إرهابية وأخرى مدنية قد تتجاور في بيئة جبلية وعرة.
لكن الجماعات الإسلامية المتشددة ليست الهدف الوحيد للسلطات المصرية في سيناء. من بين مظاهر الجريمة المنظمة في سيناء، التي أدت إلى إجهاد رجال حرس الحدود المصريين وأدت إلى انتشار السلاح، تهريب البشر إلى إسرائيل. ويعد هذا الأمر من أربح أنواع التجارة المحرمة التي تنخرط فيها عصابات من سيناء، مستغلةً غياب الرقابة الحدودية على المنطقة ورخاوة الحدود في الجانبين المصري والإسرائيلي. ويأتي المهاجرون من بلدان أفريقية تعاني الحروب والمجاعات مثل النيجر وإثيوبيا والسودان وإريتريا. ينجحون في المرور إلى مصر والتوجه إلى سيناء التي تمثّل بالنسبة إليهم معبراً إلى إسرائيل. وهناك خطوط للتهريب تبدأ من قناة السويس، حيث يعبر المتسللون نفق الشهيد أحمد حمدي حيث يكون المهربون في استقبالهم ومعهم الدليل عبر طرق موازية لمدن الشمال حتى رفح. ومن بين الطرق الأخرى التي يسلكها المهاجرون كوبري السلام، حيث لا حراسات أمنية كثيفة. وبعد تشديد القوات المسلحة قبضتها على هذه المنافذ، كان يُستجلَب المهاجرون عبر مراكب صغيرة عبر القناة.
وتتركز مراكز التهريب حول مدينة رفح وفي القرى الحدودية المجاورة لغزة وإسرائيل، حيث توجد معسكرات إيواء الأفارقة مثل «الماسورة» و«المهدية». ويحدث التهريب يومياً، وتبلغ تسعيرة تهريب الفرد الواحد 25 ألف دولار، ويكون عبر أنفاق أو معابر. غير أن هؤلاء الأفارقة الهاربين من جحيم الجوع والحروب في بلادهم يقعون في أحيان كثيرة ضحايا لتجارة الأعضاء البشرية التي تجد لها رواجاً داخل إسرائيل، وهناك تسعيرات محددة للأعضاء، حيث يبلغ سعر القلب 100 ألف جنيه والرئة 40 ألفاً والعينين 20 ألف جنيه. ويدفن الأهالي جثث هؤلاء الضحايا في مقابر جماعية تعرف بمقابر الأفارقة، كذلك فإن بعضهم يتعرض للاختطاف والتعذيب. وتشير بعض التقارير إلى غض طرف بعض المسؤولين الأمنيين عن هذه التجارة المحرمة دولياً، لاستفادتهم منها، حيث إن المهربين والأدلاء معروفون لدى الأمن ولدى قبائلهم. وتستهجن القبائل هذه التجارة المحرمة، وتنظر نظرة عار إلى من يخرط في هذا الأمر من أبناء القبائل السيناوية. ويشار إلى أن تهريب البشر قد غلب عليه الأفارقة في الآونة الأخيرة، في حين أن تجارة الرقيق الأبيض من الأوكرانيات والروسيات والجورجيات كانت غالبة في العقود الماضية، وبالطبع لا يخفى التنسيق الإجرامي بين العصابات في سيناء مع نظيراتها الإسرائيلية.
تنافس القضاءين
يعد التنافس بين القضاءين العرفي والشرعي أحد ساحات التنافس بين مجتمع القبيلة التقليدي والتيارات الدينية الوافدة على سيناء الساعية إلى فرض ثقافتها وما تراه من «شريعة على المجتمع».
وقد ساهم القضاء العرفي في إضفاء كثير من التماسك على المجتمع السيناوي، وقد كان منسجماً مع تركيبته القبلية والقيمية القائمة المتمركزة حول احترام الكبار والالتزام والتخوف من العار بنقض العهود. وهو يستند في خطوطه العامة إلى الأحكام الشرعية، مضافة إليها الخبرة الشخصية للقضاة المتخصصين في هذه المهنة، الذين يتلقون «رزقهم» مقابل ما يصدرونه من أحكام يستندون فيها أيضاً إلى المتخصصين الاستشاريين في مجالات النزاع.
غير أن هذا القضاء أخذ في الآونة الأخيرة يتعرض للضربات نتيجة عدم كفاءة القضاء ودخول عناصر غريبة عليه، وهو ما أدى إلى تآكل الأصول التي استقر عليها، ثم كانت الضربة الكبرى مع سيادة نمط القضاء الشرعي في سيناء.

ملف عن سيناء - الحلقة الثانية : سيناء خارج الدولة: نهب منظّم ولا تنمية


سيناء خارج الدولة: نهب منظّم ولا تنمية ( 2 – 3 )
 http://www.al-akhbar.com/node/145649
إذا كانت التفجيرات قد لفتت انتباه الناس إلى سيناء، فإن ما وصلت إليه المنطقة تقف خلفه جملة من الأسباب تراكمت عبر سنوات عديدة، كان أبرزها «غياب الدولة» تنموياً، مفسحةً في المجال أمام سيطرة القبضة الأمنية وحيتان المال لنهب ثروات المحافظة، فيما ترك أبناء سيناء لمصيرهم غارقين في الفقر ومحرومين الاستفادة من المشاريع الاستثمارية
عبد الرحمن يوسف, محمد العربي - الأخبار اللبنانية - 22 / 8 / 2012
من بين أبرز ما يعبّر عن غياب الدولة في سيناء، تحولها إلى إقطاعيات يتنافس عليها الإقطاعيون الجدد من رجال الأعمال. قبل الثورة، كان رجلا أعمال، هما حسن راتب وحسين سالم، أو كما يطلق عليهما في سيناء «الحسن والحسين»، قد اقتسما النفوذ الاقتصادي وربما السياسي فيها. يتجسد هذا في تعبير «رئيس جمهورية سيناء»، الذي أطلقه السيناوية على حسن راتب، الذي كان أحد أعضاء لجنة السياسات في الحزب الوطني السابق، ورئيس جمعية مستثمري شمال سيناء، وصاحب فضائية «المحور»، الأقرب إلى خط الإعلام الحكومي، والتي احتكرت إذاعة مؤتمرات الحزب الوطني السنوية.
احتكر راتب الاستثمار في شمال سيناء واستنزاف خيراتها، وكان بمثابة الحاكم الفعلي لها، ولم يصدر أو يتخذ محافظوها قرارات سيادية أو اقتصادية من دون الرجوع إليه. بعد الثورة وفتح ملفات الفساد، قدّم أحد النشطاء السياسيين في سيناء، ويدعى مجدي عبد الهادي حداد، في آذار 2011 حافظة مستندات للنائب العام تدين نشاط حسن راتب في شمال سيناء، وكذلك محافظها السابق اللواء منير شاش. اشتملت الحافظة على وثائق تثبت استيلاء راتب على عقود توريد الطُفلة (مادة أساسية في صناعة الإسمنت) للمصنع، الذي يمتلكه في وسط سيناء «إسمنت سيناء» بمبلغ يصل لـ5 آلاف جنيه سنويّاً، فيما يُورَّد إلى شركة استثمارية أخرى بمبالغ تصل إلى 42 مليون جنيه. ويذكر أبناء سيناء أن نفوذ راتب قد منعهم من إقامة مصنع آخر للإسمنت ينافسه، كذلك فإن هذا المصنع كان أحد مصادر الإسمنت الذي تستخدمه إسرائيل في بناء الجدار العازل في الضفة الغربية والذي بدأ منذ أعوام، فضلاً عن تملكه أكبر استوديو تصوير ووحدة إنتاج وبث في سيناء.
وأشار البلاغ أيضاً إلى أن قرية «سما العريش»، التي يمتلكها راتب على ساحل المتوسط، كان قد استحوذ عليها باعتبارها أراضي مخصصة لإنشاء مساكن أهلية رخيصة للأهالي، وبقروض منخفضة الفائدة تصل إلى 6 في المئة، إلا أنها حُوِّلت إلى قرية سياحية درّت الملايين عليه. وقصة «جامعة سيناء»، الجامعة الوحيدة في شبه الجزيرة، هي نفسها قصة «سما العريش». فقد خُصِّصت أراضٍ لبناء الجامعة باعتبارها جامعة أهلية توفر التعليم المخفوض لأبناء سيناء، بواقع 5 آلاف فدان وبسعر 5 آلاف جنيه للفدان الواحد، غير أنها أصبحت جامعة خاصة باهظة التكاليف، وأقرب إلى التعليم السياحي، وبالتالي لم يدخلها إلا 3 في المئة من أبناء المنطقة.
وفي سبيل استنزاف سيناء، استخدم رجل الأعمال، الذي يصف نفسه بأنه «عاشق سيناء»، نفوذه لطرد المئات من أبناء المنطقة من أراضيهم المجاورة لمشاريعه، أو لإجبارهم على التنازل عنها بأبخس الأسعار. ولم تساهم هذه المشاريع في تنميتهم وتشغيلهم إلا في أعمال الحراسة. لذلك، لم يكن أمام أبناء سيناء بعد الثورة إلا محاصرة منشآت راتب، والمطالبة بالتحقيق في ملفات الفساد.
أما حسين سالم، فهو الصديق المقرب لأسرة حسني مبارك، وصديق الرئيس المخلوع الشخصي. وهو من الأسماء التي تردد اسمها في ملفات الفساد، بعد هروبه خارج مصر ولا تزال مفاوضات تسلمه من إسبانيا قائمة. يوصف حسين سالم، ضابط الاستخبارات السابق والعديم الظهور الإعلامي على عكس سابقه راتب، بأنه المهندس الأساسي لسطوة الأسرة الحاكمة وسلطتها ورأس مالها في سيناء، كما تذكر مدونة «هنا سيناء». ارتكز نشاطه على المنتجعات التي لا حصر لها، والتي يصعب تقدير قيمتها في جنوب سيناء في شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا، ولا سيما سلسلة فنادق «موفنبيك»، التي كانت تستضيف مبارك قبل خلعه وبعده. كذلك إن الرجل هو مهندس صفقة تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل. وهي الصفقة المشبوهة التي يختبئ خلفها مستفيدون من بيع الغاز المصري بأسعار أدنى من قيمته في الأسواق العالمية، وذلك طبقاً للاتفاقية التي وُقِّعت عام 2005، وبموجبها صُدِّر فائض الغاز المصري إلى إسرائيل بواقع 1,7 مليار متر مكعب كل عام لمدة عشرين عاماً. وتولت تنفيذ الاتفاقية شركة شرق المتوسط للغاز، وهي الشركة المشتركة التي تأسست عام 2000 تحت رئاسة حسين سالم.
تكشف قصة حسين سالم في سيناء عن تداخل الأمن والاستخبارات والاقتصاد. ففي البيان الذي أصدره سالم مدافعاً عن نفسه ونافياً شبهة الفساد أو الارتباط بالنظام السابق في نيسان الماضي، يؤكد «أن تصدير الغاز إلى إسرائيل كان أمراً يتعلق بالأمن القومي المصري، وكان تكليفاً ومفروضاً، وكانت الجهات الأمنية تشرف على كل صغيرة وكبيرة متعلقة به». بعد الثورة، انكشف جانب آخر من هذا التداخل، فوثائق أمن الدولة المسربة أثبتت تورط تنظيم سياسي داخل وزارة الداخلية يقف على رأسه حبيب العادلي ويعمل لمصلحة جمال مبارك، في تدبير تفجيرات سيناء في 23 تموز 2005، التي راح ضحيتها العشرات. كشفت وثائق الجهاز أن العملية أعدت في الأصل لاستهداف مجموعة منتجعات «موفنبيك» المملوكة لسالم عقاباً له لخفضه عمولة مبارك الابن من صفقة الغاز مع إسرائيل، غير أن المجموعة المتطرفة غيرت من وجهة أهدافها.
إذاً فالدولة لا تبدو حاضرة في سيناء إلا في ما يخص مشروعات المستثمرين الخاضعين لسطوة أباطرة الفساد فيها أو المشروعات السياحية، التي يحرم إياها أبناء سيناء، فضلاً عن مشروعات رجال الأعمال المحسوبين على النظام، التي لا تختلف نظرتهم لأبناء سيناء عن الدولة، وهو ما عمق شعور لدى أبناء سيناء بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، ينظر إليهم بعين الريبة، فلا تنمية تمس معاشهم اليومي، ولا مشروعات اقتصادية تغدق عليهم من ريعها أو وظائفها، ولا حتى أراض يتملكونها ويعتاشون عليها موجودة أو مسموح بها.
وهو ما يتحدث عنه أصحاب نظرية التحديث في التنمية عن أزمات للدولة الحداثية في العالم الثالث، تأتي على رأسها أزمة الانتشار أو الغياب في مساحات وقطاعات رأسية وأفقية من المجتمع. وتتضاعف هذه الأزمة في الهوامش، فالدولة غائبة بالكامل ولا تتعامل مع الهامش إلا من قبيل احتساب الأخطار الأمنية والسياسية الخارجية، وبالتالي يصاحب غياب الدولة تنموياً حضورها أمنياً بنحو مضاعف. وهذا ما يتجلى في حالة سيناء وعلاقتها بالدولة المصرية،
فلم تخرج سيناء قديماً أو حديثاً عن نطاق الدولة المصرية منذ وحدتها قبل آلاف السنين حتى مع تشكل الدولة الحديثة، ولم تفقدها مصر إلا مع الاجتياح الإسرائيلي الأول لها إبان حرب السويس 1956، ثم الاحتلال العسكري الذي استمر (1967-1982)، ثم عودتها في 25 نيسان 1982، رسميّاً إلى «السيادة المصرية» وفق ترتيبات معاهدة كامب ديفيد. وتسلمت مصر سيناء، بعدما اتجهت الدولة نحو الضعف والتفكك، لتصبح دولة رخوة ذات قبضة أمنية شرسة، تعثرت مشاريع التحديث فيها بفعل الحروب، وفشل نمط الحكم. ولم يكن من المتصور أن تتجه الدولة إلى تنمية الأرض التي استعادتها، بعدما كفت عن التنمية في الداخل أصلاً، وبالتالي لم يوجد في سيناء منذ استعادتها إلا الأمن، هكذا يؤكد السيناوية.
ومع اختطاف الدولة من قبل نخب رجال الأعمال أصحاب الرؤى الشرسة في استنزاف الثروات وإهلاكها في مشاريع ربحية سريعة وتستثمر في الاستهلاك وبلا أي رغبة أو قدرة على التمكين الاقتصادي للمواطنين، سارعت هذه النخبة في توجيه الدولة نحو استنزاف سيناء لمصلحتها في مشاريع من هذا القبيل.
يقول الناشط السيناوي، سعيد أعتيق، وهو عضو ائتلاف شباب الثورة في سيناء، إنه منذ رحيل الاحتلال الإسرائيلي عن سيناء نهائياً عام 1982، لم توجد الدولة فيها بأي شكل في ما عدا وزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة، فلم توجد أي مؤسسات أخرى، وهو ما دفع أبناء سيناء نحو الفقر. وكان هذا هو المدخل الذي جعل المنطقة الشرقية في سيناء، وهي المنطقة (ج)، نهباً لعمل الأجهزة الاستخبارية الأجنبية، ويذكر منها على وجه التحديد الـ«سي آي إيه» والموساد والحرس الثوري الإيراني. كذلك كانت هذه المنطقة ساحة لتنافس المال السياسي الخارجي، وهو ما أدى إلى رواج الفكر المسموم والمتطرف.
وقد أدى غياب الدولة إلى جعل الجريمة مصدر الرزق الوحيد والأساسي لسكان هذه المنطقة الذين لم يجدوا أمام الإفقار والاضطهاد إلا الانخراط في أعمال تهريب المخدرات والاتجار بالبشر والمتاجرة في الأنفاق مع قطاع غزة المحاصر.
ومن بين مظاهر غياب الدولة، أو شعور بعض المواطنين المصريين في سيناء باليأس من حضور الدولة كطرف فاعل في رفع المعاناة عنهم، تجمهر بعض أهالي سيناء واعتصامهم إلى جانب الأسلاك الحدودية الشائكة عام 2007 التي تفصل بين مصر وإسرائيل، احتجاجاً على التضييق الأمني الذي جعلهم مهددين دائماً.
ويحلل إسماعيل الإسكندراني مسألة غياب الدولة قائلاً: «هناك نوعان من الدولة: الأولى الدولة الخادمة، وهي الموجودة في المدن الكبيرة مثل، العريش وطور سيناء وشرم الشيخ. أما الثانية فهي الدولة المهيمنة التي تتحكم في وقف التنمية والتعمير، وتجدها في الكمائن على الطرقات والتي تعسكر الوظائف المدنية، وتخضع للمستثمرين ممن يدفعون لها إتاوات، وهو النمط الشائع في سيناء.
لكم أن تتخيلوا
كتب الناشط والباحث في علم الاجتماع السياسي إسماعيل الإسكندراني، في المظاهر التي تعبّر عن غياب الدولة في سيناء طوال عهد حسني مبارك (الصورة)، وذلك بعد عدد من الزيارات الميدانية وثق أغلبها بمدونته «أحب سيناء». وتحت شعار «لكم أن تتخيلوا» قال: «لكم أن تتخيلوا ما تستحم به من ماء في يوم من أيام الحر يكفي لاستخدام أسرة سيناوية متوسطة العدد على الحدود لمدة 3 أيام كاملة». وأضاف: «ولكم أن تتخيلوا مدرسة بلا معلمين ووحدة صحية بلا أطباء وسيارة إسعاف بلا سائق ومواطنين بلا جنسية!». ومضى يقول: «لكم أن تتخيلوا بشراً يخضعون لهيمنة دولة أرض النيل يضطرون لشرب ماء ترفض الحيوانات والطيور الشرب منه. لكم أن تتخيلوا أبطالاً كرمتهم القوات المسلحة رسمياً لأدوارهم في الحرب، وبعدها ثم تُهمل علاجهم وتعتقل أبناءهم اشتباهاً»...

ملف عن سيناء - الحلقة الأولى : سيناء وقبائلها: نقمة الموقع وسياسة التهميش


سيناء وقبائلها: نقمة الموقع وسياسة التهميش ( 1 - 3 )
http://www.al-akhbar.com/node/140313
«أرض الفيروز». خرج المصطلح إلى العلن بعد الهجوم الأخير في رفح ليشير إلى سيناء، التي كانت تعرف منذ القدم بهذا الاسم. غير أن لسيناء قصة طويلة مع التهميش بفعل موقعها، الذي جعلها في نظر الداخل والخارج مصدر الخطر، فيما تعاملت السلطات مع قبائلها المنتشرة في الشمال والجنوب والوسط بمنطق المحسوبية، ما جعلها بعيدة عن الاندماج في النسيج المصري.

عبد الرحمن يوسف, محمد العربي - الأخبار اللبنانية - 21 / 8 / 2012

جاءت تفجيرات رفح الأخيرة، لتفجر آلام سيناء كلها، وتجبر الجميع على التحول صوبها، وهي شبه الجزيرة التي لا يلتفت إليها أو إلى أهلها أحد إلا على وقع الحروب والانفجارات. عادةً لا يُسمع عن سيناء البدو وأشجار الزيتون والرمال إلا عند ذكر حرب أكتوبر أو انفجارات طابا وشرم الشيخ، والجدار العازل برفح وتفجير خط الغاز لإسرائيل.
أما بقية الوقت، فلا تذكر إلا مدينة شرم الشيخ، مقر إقامة الرئيس المخلوع حسني مبارك في سنواته الأخيرة وقبلة السيّاح، وهو ما جعل سيناء مهمشة رغم موقعها الاستراتيجي، بوصفها معبراً بين أفريقيا وآسيا، ومساحتها التي تمثل قرابة ثلث مساحة مصر. كذلك فإن المنطقة ملتقى للثقافات والأديان لما فيها من أماكن ذات أهمية دينية كطور سيناء ودير سانت كاترين.
ودائماً ما توصف سيناء باعتبارها بوابة مصر الشرقية ومعبرها إلى المشرق العربي، وكذلك بأنها جسر الغزاة إلى الوادي حيث قلب مصر، وهي كذلك معبر الثقافات القديمة. من خلالها انتقلت الأبجدية المصرية إلى الشرق الأدنى، وعن طريقها اكتسبت مصر شخصيتها الثقافية العربية الإسلامية الحديثة مع الفتح العربي الذي كانت سيناء معبره. وتتحدث المصادر القديمة عن القبائل السامية التي استوطنت سيناء والوادي بعد هجرتها الممتدة والمتعاقبة من أرض الجزيرة العربية. وارتبطت سيناء منذ القدم بالمشرق حتى اكتسبت اسمها من اسم الإله سين، إله القمر في بابل القديمة، الذي انتشرت عبادته في الشرق الأدنى وعلى حدود مصر الشرقية. وتشتهر سيناء إعلامياً بكونها «أرض الفيروز». وقد جاء في المصادر المصرية القديمة ذكر مناجم ومدرجات الفيروز، تلك الثروة المعدنية القيمة التي تزخر بها شبه الجزيرة، إلى جانب ثروات أخرى عمل فراعنة العصر القديم والحديث على استغلالها، مع إبقاء سكانها على الهامش، بما يؤكد أن تقاليد الدولة في مصر لا تتغير على مدار السنوات ولو عُدّت بالآلاف.
وتدل الجغرافية البشرية لسيناء، وفقاً للعديد من الباحثين، على أنها معبر ديموغرافي ونقطة صلة بين ساكني وادي النيل والمشرق العربي، ولا سيما في الشام والحجاز والأردن. وقد كان سكانها القدامى خليطاً بشريّاً من ذوي الأصول السامية والحامية، حتى غلب عليها العرب مع الفتح الإسلامي، بل وقبله. ويقول نعوم بك شقير، في موسوعته عن تاريخ «سيناء القديم والحديث وجغرافيتها» الصادرة عام 1916، «في تقاليد بدو سيناء أنه قد هاجر من العرب المسلمين 75 قبيلة من نجد والحجاز في سنة واحدة، فسكنوا مصر وسيناء وجنوب فلسطين». والقبائل السيناوية الحالية تعتز بأصولها وصلاتها العربية المترامية والبعيدة، وقد أسهمت الحروب والغارات بين القبائل المترامية بين الشام ووادي النيل في إيجاد تجانس عرقي في هذه المنطقة وفي القلب منها سيناء. وإن تباينت المنطقة ثقافياً بين ساكني الحضر والبادية والسهول الزراعية شرقي وادي النيل.
وعندما كانت مصر الفرعونية، زعيمة الشرق الأدنى في عهود قوتها، كان هناك طريق حورس الحربي يخترق سيناء إلى شرق الوادي، وهو الطريق الذي كان معبر الفراعنة الغزاة لإخضاع الشعوب المتمردة في سوريا. ومع تدهور مصر كانت سيناء معبر الغزاة المتعاقبين، بدايةً من الملوك الرعاة الهكسوس حتى الاحتلال الإسرائيلي. وكونها تمثل هذا المعبر الحربي أضفى عليها أهمية استراتيجية، تزايدت كلما زادت الأخطار على الحدود. ومن هنا كانت نشأة إسرائيل على الجانب الشرقي من سيناء علامة فارقة في زيادة أهميتها الاستراتيجية، ومثلما كان هذا نقمة على جيران الكيان الصهيوني العرب، كان نقمة على سيناء وسكانها. فتناسبت الأهمية الاستراتيجية عكسيّاً مع رفاهية أهلها وتقدمهم، وصارت الخطورة تحف نظرة الدولة المصرية إلى سيناء وأهلها، فهي مصدر للخطر أو على الأقل معبر له، وهي نفس النظرة التي نظرت بها إسرائيل إلى سيناء.
ومن هنا كانت قضية سيناء هي آخر ملفات حرب السويس (1956) التي ماطلت إسرائيل في إنهائها بالانسحاب من شبه الجزيرة التي اجتاحتها كلياً في بداية الحرب، حتى تحصل على ضمانات تعزز أمنها وتمنع عدوان النظام الناصري المعادي عليها. ومع اجتياحها للمرة الثانية في 1967، تعاملت إسرائيل مع سيناء باعتبارها نطاقاً أمنياً واستراتيجياً ممتداً، يفصل بينها وبين مصدر الخطر المصري. ولم تستعمرها كما سارعت إلى استعمار الضفة والجولان بالمستوطنات، فقط بنت مستوطنة أقرب إلى المنتجع في جنوبها، وزادت في حصانة الغيتو الصحراوي بخط بارليف الدفاعي. وهو الوضع الاستراتيجي الذي عملت إسرائيل على الحفاظ عليه بعد حرب 1973، أثناء المفاوضات التي قادتها مع نظام أنور السادات، وأفضت إلى كامب ديفيد واتفاقية السلام عامي 1978 و1979، وفيهما قسمت سيناء إلى ثلاث مناطق تبعد الخطر المصري عنها إلى ما وراء قناة السويس.
ورغم أن هذه الحرب والمفاوضات والمعاهدات لم تحرر سيناء كلياً، غير أن عودتها إلى السيادة المصرية زادت من قيمتها الإعلامية، فيما ظلت في نظر الدولة مصدراً للخطر. ولم ينل أهلها أي اهتمام يتناسب مع ضجة التحرير، بل مورست ضدهم سياسات هي أقرب إلى سياسات المحتل. وظلت سيناء على الهامش، ولم تعدها إلى الأذهان إلا أخبار التفجيرات والهجمات الإرهابية، وآخرها الهجوم على معبر كرم أبو سالم جنوبي رفح. تركت الدولة المصرية سيناء لتكون نهباً للجماعات المسلحة وصراعات الاستخبارات والجريمة المنظمة، واستمر أهلها وسكانها غارقين في اضطهاد الدولة ومحلاً للخطر.
وتنقسم سيناء إدارياً إلى محافظتين. ويبلغ عدد سكانهما وفقاً لآخر إحصاء سكاني لتعداد عام 2006 نشره موقع الهيئة العامة للاستعلامات، 489 ألف نسمة، منهم نحو 339 ألف نسمة في محافظة شمال سيناء، و149 ألف نسمة في محافظة جنوب سيناء. أما قبلياً، فتنقسم سيناء إلى ثلاث مناطق، تتوزع فيها ما بين 11 و13 قبيلة وعشيرة يراوح تعداد كل منها بين (500 نسمة و12 ألف نسمة). فهناك سكان بلاد الطور، وهي جنوب سيناء وتعرف بالطوارة. وهي قبائل: العليقات، ومزينة والعوارمة، وأولاد سعيد والقرارشة أو الصوالحة، ومن بين هذه القبائل توجد عشائر وعوائل ممتدة في بقية سيناء.
وفي وسط سيناء ما يعرف ببلاد التيه، تسكنها قبائل التياها والأحيوات والترابين. والأخيرة تمتد إلى جنوب فلسطين وغزة. أما شمال سيناء أو بلاد العريش، فتقطنه قبائل السواركة، وهي أكبر القبائل السيناوية عدداً، حيث تتفرع منها 13 عشيرة أو عائلة تتمركز حول مدينة العريش، وتمتد شرقاً حتى الشيخ زويد وغرباً نحو منطقة المطار. كذلك تتواجد قبيلة العقايلة، وهي قبيلة صغيرة تعيش على ساحل البحر المتوسط، وهناك قبيلة البياضية وتقطن المنطقة الواقعة بين القنطرة شرق وبورسعيد، وكذلك الأخارسة، وهي قبيلة كبيرة تقطن منطقة الرمانة ولها امتداداتها في الشرقية والإسماعيلية.
وتتحدث المصادر عن وجود جماعات من أصول غير عربية قطنت سيناء قبل الفتح العربي وبعده، غير أنها سرعان ما ذابت أو انقرضت أو انعزلت، كتجمع «الجبالية»، وهي مجموعة سكانية من أصول غير عربية، تقطن جبل سيناء، ويعود أصلها إلى مجموعة المحاربين المقدونيين الذين استجلبهم الرومان لحماية مقدسات الجبل.
ويبدو التوزيع القبلي لسيناء أعقد بكثير من المصطلح الذي يشار به في الإعلام إلى سكان سيناء وهو «البدو» أو «السيناوية». ويوضح الناشط السيناوي، مسعد أبو فجر، أن سيناء تعبر عن مجتمع متنوع ومعقد، وإن كانت القبائل تغلب على تركيبته. ويوضح أن النظام المصري عمد في إطار سياسته الأمنية التهميشية مع سيناء إلى الحفاظ على هذه القبلية بل وتعميقها. وفي الوقت الذي استبعد فيه العصبيات الكبرى من القبائل، مثل السواركة والتياها والترابين، من المشاركة السياسية أو في إدارة شأن سيناء، عمد إلى محاباة القبائل الصغيرة العدد. وخلق عملاء للأجهزة الأمنية بين مختلف القبائل، ولم يوجد من أبناء العصبيات الكبرى في سيناء من أسند إليه مناصب في المجالس المحلية أو مجالس المحافظات أو حتى في الحزب الوطني المنحل.
أما الناشط إسماعيل الإسكندراني، وصاحب مدونة «أحب سيناء»، فيرى أن التكوين القبلي في سيناء ينظر إليه بأهمية وينطوي على تفاوت من حيث التكوين العددي والامتداد التاريخي، لكن يجمعه التنسيق في القضايا الوطنية وقضايا التنمية الكبرى. ولفت إلى أن الانتماء القبلي صارم في أمرين، الأول هو الحقوق، والثاني هو التنمية على المستوى المحلي من حيث حيازة الأراضي وغيرها.
ويشير الإسكندراني إلى أن قبائل الوسط تعتمد اعتماداً رئيسياً على التهريب بالمفهوم الاقتصادي لا بمفهوم الاختراق الأمني. وقبائل الجنوب تعتمد على أعمال السياحة، بينما تعتمد قبائل الشمال على الزراعة والصيد. وتمر معظم عمليات التهريب، التي تجري في وسط سيناء، على قبيلة التياها (نسبةً إلى صحراء التيه)، منوهاً بأن البضائع المهربة تأتي من الجنوب عبر البحر الأحمر، وفي الشمال من معدّيات قناة السويس. كذلك يشير إلى أن قبيلة العزازمة يطلق عليهم قبائل بدون، أي غير حاملي الجنسية وهم موجودون قرب الخط الحدودي، وعددهم قرابة 2000 فرد.
ميدانياً، يوضح الإسكندراني، أن محافظة جنوب سيناء تعد أقل عدداً في السكان وأهلها أقل تعلماً. وليس من السهل اختراق عاداتهم وتقاليدهم، من خلال الأفكار الوافدة إليهم، حتى إنهم يحافظون على طريقة ربط العقال فوق الرأس بالطريقة القديمة حتى الآن. ويعد الجنوب أقل في مشكلاته من الشمال من حيث الجوانب الأمنية، نظراً إلى تجاور الشمال مع حدود فلسطين بغزة ورفح ومع إسرائيل، وهي أمور جعلت السياسة بمفهومها التقليدي تتواجد في الشمال بصورة أكثر.
ويؤكد سعيد عتيق، عضو ائتلاف شباب الثورة في سيناء، أنه على الرغم من وجود ممارسة سياسية أكثر في الشمال، إلا أنه لا توجد سيطرة أو يتوافر نفوذ قوي لأي حزب أو غيره من القوى السياسية التقليدية، لافتاً إلى أن شباب السيناوية، الذين التحموا بثورة «25 يناير»، يعدون الأكثر بزوغاً حالياً. وشدد على أنهم أقدموا على إصلاح الأوضاع داخل قبائلهم وعشائرهم وفي مواجهة الدولة لاقتناعهم بضرورة دمج سيناء في إطارها المصري، ورفضهم الإقصاء والتهميش وإصرارهم على الحصول على حقوقهم السياسية والاجتماعية على نحو كامل. وقد مثلت هذه القوة إحراجاً للقوى التقليدية المتمثلة في مشايخ القبائل والعشائر وعددهم قد يصل إلى 50 شيخاً، وهم مرتبطون بأجهزة الأمن، وليس لديهم أي رؤية أو قدرة على الفعل. وقد قدم شباب السيناوية مقترحاً بتغيير نظام تعيين المشايخ في القبائل والعشائر على أن يكون بالانتخاب الحر والديموقراطي، وبإشراف المجلس القومي لحقوق الإنسان، غير أن القوات المسلحة ومؤسسة الرئاسة، حتى في عهد الرئيس محمد مرسي، رفضت هذا المقترح. ويؤكد عتيق أن مثل هذا المقترح كان بإمكانه أن يضخ دماً جديداً في المجتمع السيناوي، وكان سيضمن تحقيق شيء من الاستقرار والأمن المفقود في سيناء.
ويبقى المكسب السياسي الأبرز الذي جرى تحقيقه هو ضغط قوى الشباب السيناوية الثورية واتجاهها نحو توحيد مطالبها في مواجهة المشايخ وجماعة الإخوان والعسكر.
أفقر المحافظات المصرية
تكشف دراسة لمجموعة الأزمات الدولية، صدرت منذ عدة سنوات وحملت عنوان «قضية سيناء»، أن سكان سيناء ينقسمون إلى مجموعات منهم البدو والمنتمون إلى جذور تنتمي إلى شبه الجزيرة العربية. ويتوزعون على قبائل، وفلسطينيون سكنوا العريش، وكانوا يعاملون كمصريين حتى أواخر السبعينيات، ثم صنفوا كأجانب بعد ذلك، كما يضمون وافدين من دلتا مصر انتقلوا إليها بعد جلاء الاحتلال الإسرائيلي عنها، وبعض من وفد إليها من خارج المحيط العربي وقت الخلافة العثمانية وأغلبهم بوسنيون.
ومن بين ما كشفته الدراسة أيضاً عن السكان، أن معدل النمو السكاني، وصل بعد عام 1996 إلى 62 في المئة‏ في شمال سيناء و‏22 في المئة‏ في جنوبها‏.‏
وصنفت الدراسة محافظة شمال سيناء، باعتبارها من أفقر محافظات مصر. وخلصت الدراسة إلى أن التركيز على الجانب الأمني تسبب في انخفاض مشروعات التنمية الاقتصادية، ما عدا المشروعات السياحية التي تتركز في جنوب سيناء، ويحرم منها أبناء سيناء، الذين تنالهم القيود الأمنية.